الرأي

ليلة اندحار المنتخب المغربي.. قلوب المغاربة تنبض وتخفق من أجل الوطن

06/07/2019 14:47
عبد الصمد بنشريف
على غير عادتها، لم تنتفض المدن والمناطق المغربية، ولم تشتعل  الشوارع هتافاتٍ وشعاراتٍ، حيث الحشود البشرية تندفع متدفقة بعفوية غارقة في الفرح إلى درجة الإثارة، ولم تؤثث الشوارع بالسيارات، و لاضجّت الساحات العمومية بالحركة، والسبب هو الانكسار المأساوي ،والاندحار المبكر للمنتخب المغربي لكرة القدم  ،أمام منتخب البنين .فقد تعثر منتخب أسود الاطلس- الذي يضم في صفوفه لاعبين متميزين  ونجوما تألقوا عن جدارة واستحقاق في أندية أوربية  -قبل أن يثب أقدامه إلى نهائيات كأس إفريقيا للأمم 2019. 
على امتداد التراب المغربي كان المرء يشعر كأن حالة استثناء فرضت أحكاماً عرفية على السكان، لتمنعهم من التجول والتبضع، فقبل انطلاق المباراة التي جمعت بين المنتخبين، التزم السكان منازلهم،  واكتظت المقاهي والفنادق بالرواد ليظلوا مشدودين إلى شاشات التلفزيون، أكثر من ساعة ونصف الساعة في انتظار ما كانت ستنتهي إليه المباراة. كانت الأعصاب متوترة، ولم تكن المشاعر مستقرة، وذهبت تكهنات الشارع المغربي في اتجاه التقليص من حجم التفاؤل، وعدم تضخيم الآمال، بالنظر إلى الفرص التي لم يستثمرها أسود الأطلس في مقابلات حبية   في مناسباتٍ سابقة. وبالنظر أيضا إلى الأداء غير المستقر على امتداد المنازلات الأخيرة، الأمر الذي أفسح المجال أمام تساؤلات مقلقة بشأن جدوى الخطط التي ينهجها مدرب المنتخب المغربي، وكذلك بشأن المصير الذي قد تؤول إليه عناصر المنتخب المغربي ، إذا كان الإقصاء من نصيبهم بالقاهرة ، سيما وأن جزءاً كبيراً من الجمهور المغربي يتخوف من تفكك عناصر منتخب بلده، والعودة إلى مربع الصفر، بعد كل الجهود التي بذلت، والشروط التي تم توفيرها لبناء منتخب قوي ومنسجم، تهابه أعتى الفرق، وتحسب له ألف حساب. وفي ذاكرتهم ما حدث بعد خسارة المنتخب المغربي أمام المنتخب التونسي في العام 2006 على عهد المدرب المغربي، بادو الزاكي. 
وقد ضاعفت أجواء فوز وتتويج عدد من الأندية المغربية أفريقيا في المنافسات القارية الأخيرة  ، حجم ومساحة الأمل ، فقد اعتبر عدد من المغاربة ، أن تلك الإنجازات ،تعد محفزاً سيكولوجياً ومعنوياً ومن اللحظات القوية. فقد ألفوا أن يفجروا أفراحهم، وأن يترجموا مشاعرهم الوطنية في أوقات انتصار فريقهم الوطني لكرة القدم. وغالباً ما يحدث هذا بشكل تلقائي وجماعي، حيث يخرج السكان إلى الشوارع في مسيراتٍ شعبية للتعبير عن الفرح والمشاعر الوطنية الجياشة، بمختلف الأشكال والطرق، كما حدث في مناسبات ومنافسات سابقة ، فعندما حصل المنتخب المغربي على تأشيرة الذهاب إلى نهائيات كأس العالم في روسيا، والكيفية الأنيقة التي لعب بها، وأعداد الأهداف التي سجلها، والفرجة التي أتاحها، والروح القتالية التي أظهرها، أكسبه هذا كله تقدير الشارع المغربي وإعجابه وتعاطفه، وحركت في  هذا الشارع حالة من المساندة الجماعية، والاهتمام غير المسبوق بكرة القدم.
 
انتاب المغاربة شعور بالتفاؤل  وزاد منسوب الثقة والفرح والاطمئنان عندما انتصر فريقهم على كل المنتخبات التي واجهها في الدور الأول لمنافسات كأس افريقيا الحالية ،وخاصة عندما انتقم تاريخيا ورمزيا من منتخب جنوب إفريقيا في الدقيقة الأخيرة ، لم يصدق الجمهور المغربي  ما حدث، فعم الصراخ  والفرح ، وكأن كل المغاربة ضبطوا عقارب مشاعرهم على ما يمكن حسبانه لحظة وطنية نادرة .
. لكن لقاء الجمعة الأسود  5 يوليوز 2019ضد منتخب البنين  أحدث بكل تأكيد صدمة نفسية  وجرحا عميقا .كانت قلوب المغاربة تنبض وتخفق من أجل الوطن ،وكل تسرب أو توغل لعناصر  منتخب البنين كان  عاملا كافيا لزعزعة اطمئنانهم.
 ربما قراءة الطاقم التقني ،والمدرب ومجموعة من وسائل الاعلام لمستوى وحجم فريق البنين ،لم تكن في محلها .حيث استصغروا  الخصم ،ونظروا إليه على أنه فريق يسهل التهامه وتجاوزه .
فالأسود عندما تزأر وتندفع هائجة لا أحد يمكن أن يوقفها   ،لكنها أمام فريق ربما  يعرف لغة وحركات ومزاج الأسود ،شلت وأصابها دوار عندما لم تتمكن من اختراق جدار  دفاعي سميك بناه  منتخب البنين تنفيذا لتعليمات المدرب .وبدا واضحا أن حالة من التيه وعدم التركيز والذهول ،سيطرت على عناصر المنتخب المغربي ،ما سهل على منتخب البنين تسجيل هدف صادم وغير متوقع في شباك الحارس المغربي . ومثلت الفترة الفاصلة بن تسجيل هذا الهدف وتحقيق التعادل زمنا نفسيا طويلا وظاغطا بكل المقاييس .
 من منطلق الفقه الرياضي ، الذي لا أفقه فيه شيئا . كل الشروط كانت في صالح المنتخب المغربي ،ليضمن انتصارا سهلا ومروا مريحا إلى الدور التالي .لكن رغم النقص العددي وحصوله على ضربة جزاء في اللحظات القاتلة من عمر المباراة  ،فإنه لم يستثمر بذكاء وجدية وقتالية  هذه الشروط .وما جعل الصدمة أقوى وقعا، هو عندما أضاع اللاعب النجم حكيم زياش ضربة الجزاء ،والتي كان يعتبرها كل المغاربة على أنها ضربة الخلاص ومفتاح التأهل. شخصيا لست من الراسخين في لعبة كرة القدم وخباياها ،لكن  كنت أفضل أن لا ينفذ زياش ضربة الجزاء ،لأن هذا اللاعب النجم سلطت عليه كل الأضواء ،وأصبح بقوة الأشياء وضغط الإعلام والجمهور القوة السحرية ،التي بمقدورها إحداث المفاجأة ،وتغيير موازين القوى في كل حين .لكن زياش أحببنا ام كرهنا ،كان متعبا وضحية ظغط نفسي وذهني حاد ،ولذلك كان من الأفضل أن يتولى تنفيذ ضربة الجزاء ،أي مدافع أو مهاجم آخر ،خاصه بوصوفة. 
إن بعض الاختيارات في أي مجال لا يجب أن تبنى على العواطف. وسلطة الشارع وأضواء الإعلام لا تبني استراتيجيات في مثل هذه المنافسات المصيرية .
 كان من المنتظر أن يحدث المنتخب المغربي تحولا نوعيا في إيقاع ومستوى المباراة في الأشواط الإضافية لكن ،استفحلت الارتباكات في صفوف لاعبيه  ، وبدت معالم الشرود والتوتر واحتقان الأعصاب واضحةً على وجوههم . لكن المأساة الحقيقية هو أن ترتخي أقدام لاعبي المنتخب المغربي الذين تم اختيارهم لتنفيذ الضربات الترجيحية التي تم الاحتكام إليها ،حيث فقدوا التركيز تمامنا وشرعوا يقذفون دون الاستثمار الأمثل لحصص التدريب على  كيفية تنفيذ ضربات الجزاء ،أما حارسنا سامحه الله نفقد كان يرتمي دائما في الاتجاه المعاكس لكرات الخصم . 
انتهت المباراة  بتلك النتيجة غير المستساغة،والتي صعب على المغاربة هضمها وتحملها  ،لتشتعل مواقع التواصل الاجتماعي في كل بقعة يوجد فيها مغربية أو مغربي عبر القارات الخمس  ،ولتندلع حرب حامية الوطيس ،ولتتدفق شلالات من الانتقادات  اللاذعة ،التي لم تخل من انفعال جامح، وجلد زائد عن الحد ،خاصة تجاه المهاجم زياش ، واستمرت التدوينات والتعاليق في التدفق ،بعضها انطوى على جرعة معتبرة من السخرية ،وبعضها حاول أصحابها عقلنة المشاعر والتحكم في الانفعالات ،لأن كرة القدم ليست علوما دقيقة ولا تستند إلى قواعد ومسلمات ثابتة ،ولا احد يمكنه التكهن ،بما ستسفر عنه مقابلة بين فريقين مهما تفاوتت مستوياتهما وقدراتهما . 
وخلافاً للمرات السابقة، لم يخرج  المغاربة في مسيرات حاشدة، و لم تلعلع  الزغاريد، كما درجت على ذلك النساء في كل مناسبات انتصار المنتخب المغربي، ولم تطلق السيارات زماميرها، ولا انتظمت  في طوابير إلى وقت متأخر من الليل، لإعلان الفرح الجماعي ،علما أن الفرح في المغرب عملة نادرة، ولا يحدث إلا في  مثل هذه المناسبات.
في المغرب وغيره من  دول  شمال افريقيا والشرق الأوسط غالباً ما تختلط الرياضة بالسياسة، فيفسر أي انتصار رياضي على أنه انتصار للخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . بل إن الرياضة، وخصوصاً كرة القدم، توظف بشكل منهجي للرفع من رصيد شعبية الحكومات والأنظمة وتبعاً لذلك، تنبري وسائل الإعلام لترويج هذه الانتصارات عند تحققها ،وتعمل على تسويقها وربطها بالازدهار الاقتصادي، وبالاستقرار السياسي . وتعمد هذه الوسائل إلى بث لقطات ومشاهد لتأجيج المشاعر، بشكلٍ يصل أحياناً إلى مستوى الشعبوية الفجة ، ويعكس نموذجاً لوطنية شوفينية غير عقلانية . وهذا ما تترجمه  مجموعة من تدوينات رواد شبكات التواصل الاجتماعي وتغريداتهم، حيث أظهروا حماسةً استثنائية، وأشهروا في وجوه من حملوهم مسؤولية ما أصاب المنتخب المغربي في واقعة القاهرة ، أظهروا وطنيةً لا تخلو من تطرّف وانغلاق، ولم يتوانوا عن جلدهم وتعنيفهم لفظياً، وإلصاق نعوتٍ قدحية بهم،خاصة باللاعب حكيم زياش ، علماً  ان  زياش و نخبة من  اللاعبين في المنتخب المغربي، الذين يشكلون قوة ضاربة، يتحدرون من منطقة الريف (الحسيمة والناضور)، وهذا ما أثار نوعاً من الغضب  والألم في نفوس فئاتٍ عريضة من سكان المنطقة وجاليتها التي تشكل أغلبية المغاربة المقيمين، خصوصاً في هولندا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا، علما أن  هذه الكوكبة من اللاعبين الذين أثاروا الجمهور المغربي بقتاليتهم وإخلاصهم وصلابتهم، والذين يتقاسمون معهم اللغة والهوية والانتماء إلى تاريخ مليء بالرموز، ومشحون بالتوترات والاحتقانات.فضلوا حمل القميص الوطني والدفاع عنه بدون تردد.
كل ما قلته  هو مجرد توصيف  لجزء من مشاعر غضب شعب ،تدفقت بعد انسحاب مبكر من منافسات كأس افريقيا للأمم  .علما  أن المغرب يملك فريقا كان بمستطاعه أن يصنع الملاحم والانتصارات تلو الانتصارات  .
،لكن المهم بالنسبة إلي هنا ،هو التوقف عند مشاعر الإحباط  ،التي تكشف في لاشعور المغاربة ،عن أنهم في أمس الحاجة إلى انتصارات دائمة وانجازات كبيرة .
والخلاصة من كل هذا ،هو أن المغاربة قادرون على تحقيق المستحيل إذا توفرت الإرادة والثقة والإيمان والروح الوطنية والنفس القتالي والانضباط والواقعية وربط المسؤولية بالمحاسبة .وأعتقد بقوة أن المجهود البيداغوجي والنفسي والذهني هو ما ينقص ،وهو السبب الجوهري في اهتزاز إرادة وثقة عناصر المنتخب المغربي .لأن التحضير والتأهيل النفسي والذهني ،هما رأس الرمح في المواجهات الحاسمة والمصيرية .
وأم الخلاصات في السياق الذي نتحدث فيه ،هو أنه يتعين علينا أن نعض بالنواجد على فرص النجاح والتألق والتقدم ،كلما أتيحت .لنا لأنها ستمكننا من قطف جملة من الثمار ،وتحقيق عدد من الأهداف ،وبالمقابل كلما أضعنا فرصة لسبب من الأسباب رجعنا خطوات إلى الخلف ،وحكمنا على شعب يحب الفرح والانتصارات ويتغنى بأمجاده ويعتز بانتمائه وتاريخه وحضارته وثقافته ، بالغبن والحزن واليأس وعدم الثقة .
 
 
إقرأ أيضا